الشيخ محمد زاهد الكوثري
64
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
وأما قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [ الزّخرف : 61 ] فقد اعترف بطل الخروج على المتوارث بعود الضمير فيه على عيسى ، وعدم احتمال عوده على غيره ، لكن ظنّ أنه يجد في السّياق ما يمكّنه من صرفه عن وجهته ، ولم يعلم أن كون الخطاب للمشركين وأهل الجاهلية يضرّه ولا ينفعه ، لأنهم لا يقرّون بحدوث عيسى بدون أب ، ولا بإبرائه الأكمه والأبرص ، وإحيائه الموتى بإذن اللّه . وإنما هذا وذاك مما نصّ عليه القرآن الكريم وهم لا يؤمنون به ، فكيف يتصور إقامة الحجة عليهم بما لا يقرّون به ؟ فتعيّن أنّ عود الضمير إلى عيسى ، باعتبار أنّ نزوله من أشراط الساعة ، فأصبح نصا في النزول لا يعدل عنه . وقراءة « لعلم للسّاعة » بفتحتين قراءة عدة من الصحابة والتابعين كما في « البحر » وغيره ، لكن تغاضى عنها الشيخ مع صحة سندها ، حيث لم تكن هذه القراءة على هواه ، لأنها تعيّن عود الضمير إلى عيسى باعتبار أنّ نزوله من أشراط الساعة ، مع أنه كان شديد التمسك بالقراءة المنسوبة إلى أبيّ بن كعب ، مع الضعف في سندها كما سبق ، لأنه كان يعدّها من صالحه ، وهكذا يكون الهوى ! وقد جاء في صحيح ابن حبّان بسند صحيح بطريق مصدع ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [ الزّخرف : 61 ] قال : نزول عيسى ابن مريم من قبل يوم القيامة . فهل يمكن لمن يخضع لمعايير العلم أن يتعنّت بعد هذا كلّه في ردّ ما عليه الجماعة ؟ وقد فهم أهل التفسير أمثال الزمخشري من إشارات آيات سوى ما تقدّم رفع عيسى ونزوله ، فهما يدلّ على يقظة بالغة . وفي إيضاح مداركهم طول نستغني عن الخوض فيها بصرائح الآيات المتقدمة . فظهر مما سبق كلّ الظهور بطلان قول الشيخ : « ليس في القرآن الكريم ما يفيد بظاهره غلبة الظن بنزول عيسى أو رفعه ، فضلا عما يفيد القطع الذي يكوّن عقيدة ويكفّر منكره كما يزعمون » . واتضح أيضا أنّ نصوص القرآن الحكيم وحدها تحتّم عليه القول برفع عيسى حيّا ، ونزوله في آخر الزمان ، حيث لا اعتداد باحتمالات خيالية لم تنشأ من دليل ، كيف والأحاديث قد تواترت في ذلك ، واستمرّت الأمّة خلفا عن سلف على الأخذ بها ، وتدوين موجبها في كتب الاعتقاد من أقدم العصور إلى اليوم ، فما ذا بعد الحق إلا الضلال .